المناوي
174
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
صالحا ترتجى بركاته فهذا ، وإن كان وليّ يؤمّل في الشّدائد فحسبك هو ملاذا . ولد الشيخ بفيروزآباد بليدة بفارس سنة ثلاث وتسعين وثلاث مائة ، ونشأ بها ، ثم طاف البلاد ، ثم استقرّ ببغداد ، وما برح يجاهد حتّى صار أعلم زمانه ، وفارس ميدانه ، والمقدّم على أقرانه ، وامتدت إليه أعين النظّار ، وانتشر صيته في البلدان الكبار ، ورحل إليه من جميع الأقطار . وكانت مجاهدته أوّل أمره أمرا عجابا ، وعملا دائما ، يقول من شاهده : عجبا لهذا القلب والكبد كيف ما ذابا ؟ ! . وكان مع جلالته وحضور السّلاطين إليه لا يملك شيئا من الدّنيا ، فبلغ به الفقر حتى كاد لا يجد قوتا ولا ملبسا ، وكان يقوم للقادم عليه نصف قومة ، ولا يعتدل قائما من العري ؛ كيلا يظهر منه شيء . وأرسل إليه الخليفة ليجتمع به فأبى ، فألحّ عليه فما أفاد ، فتوسّل إليه ببعض أصدقائه ، فأبرم عليه ، فأجاب بشروط منها أن يكون اجتماعه ليلا ، فتوجّه في الليل ، فلمّا دخل دار الخليفة هرع الحجّاب لإعلام الخليفة ، فبمجرد استقبال الشيخ تحرّكت عليه بطنه ، فقال : ائتوني بشمعة ، فأتوا بها ، فقصد بيت الخلاء ، فتعثّر في ذيله ، فوقعت الشمعة من يده ، وسقط عليها ، فأصابت بعض لحيته فاحترقت ، فكرّ راجعا ، وهو يقول : صدق اللّه العظيم ، قال تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [ هود : 113 ] واللّه ، لا أجتمع به أبدا ، فرجع ، ولم يجتمع به . وكان إذا قدم بلدا تلقّاه الفقهاء والصّوفية والمحدّثون ، والعامّة والنّساء والأطفال يتمسّحون بأركانه ، ويأخذون تراب نعليه يستشفون به ، ويخرج أهل الصّنائع بصنائعهم ينثرونها بين يديه ، حتى الأساكفة تبرّكوا به « 1 » .
--> ( 1 ) الأساكفة جمع إسكاف ، صانع الخفاف ، الخراز متن اللغة ( سكف ) قال الذهبي في السير 18 / 460 عن الأساكفة : وعلموا مداسات صغارا ونثروها ، وهي تقع على رؤوس الناس . والخبر في طبقات السبكي 4 / 220 وكأن أصل العبارة كانت : حتى الأساكفة نثروا له . وفي المطبوع : الأساقفة .